في ليلة من ألف ليلة

لميس فايد
بدأ الفجر في البزوغ وصار الجو معبقاً برائحة النجيلة الخضراء والندى ولا زالت "بهية" ساهرة منذ ليلة أمس في الخلوة التي دخلتها باردتها بعد أن تكالب عليها هموم الدنيا وتزلزلت المملكة بالقلاقل وكثر الهرج والمرج وصارت رائحة الدم تزكم الأنوف. آثرت "بهية" أن تخلو بنفسها واليوم هو آخرأيام الخلوة التي دامت لعشر أيام، قضتها في التمارين والذكر، صار نومها عزيزاً في الشهور الأخيرة، تارة بسبب الرؤى وتارة بلاسبب! تأهبت "بهية" للخروج من الخلوة في حضن الجبل هناك، حيث يعتقد القوم أنه سكن هذا الكهف نبي يدعى "الياهو"، أقامت "بهية" أياماً هناك كانت ترى طيفاً لرجل يرتدي ملابس عربية قديمة، يمر سريعاً فلا تمسك إلا بطرف عبائته. نعم قد أمسكت بطرف عباءته ذات مرة. والآن مع أشعة الشعس عليها العودة للمملكة والقصر، ياترى ماذا حدث؟ سارت وحيدة في الطرقات كل شيء يبدو في مكانه ربما لا زالت الحوانيت مغلقة، ولم تبدا الحياة بعد تدب في أوصال المدينة. لكن على كل حال انتهى الهرج والمرج هو شيئ يحمد الله عليه. طرقت باب القصر، وفتحت لها " ست أبوها" ملكة يمين الملك "عثمان" بالكاد منذ شهور قد شرعت في طريق النساء وكُتِب عليها ما كُتِب على بنات آدم، حتى أتخذها "عثمان" الملك أصغر ملكات يمينه، والكل يعلم أن عثمان قد تجاوز من العمر ما يقرب من أربعة أجيال! فتحت لها الأبواب متسائلة متسارعة بلهفة "أين كنت يا ستي؟ قلقنا عليك بعد ما حدث في المملكة في ماحدث؟" أخبرتها "بهية" إنها بخير والحمد لله، وسألتها عما وقع كيف أنتهت القلاقل؟، أخبرتها ست أبوها أن القلاقل اشتدت في المملكة حتى اختفى الناس في قعور بيوتهم، وأخفوا أولادهم في صناديق الملابس خشية من العواقب، قد قُتِل "عثمان" الملك وأصبحت المملكة من دون رأس، حتى تشاور كبار المملكة وعينوا في الملك "طُفيل"! "تخيلي يا ستي عينوا "طُفيل" اليهودي شاهابندر التجار رئيسا على المملكة ! ساد صمت طويل من قبل "بهية" ربما كانت تعلم، أو أعلمها الحق في الخلوة أن مآل المدينة قد صار في يد أقوام عتيقة.. أتسمعيني يا ستى؟ يا ستي "بهية" ؟ أجابتها برأسها أن تستمر في الحكي. أخبرتها "ست أبوها" أن "طفيل" صارت المملكة ودور عبادتها وحوانيتها في يده، يبدو أنهم أختاروه لكبر سنه أم لثروة "طفيل"! والآن يا سيدتي منذ ليلتين أنتقلت ملكية القصر ومن فيه من جواري وعبيد إلى يد "طُفيل"، ولكن الحمد لله ياستي "طُفيل" هذا حظه من النساء يبدو أنه شارف على نهايته، لكنه سأل عنك يا ستي! طال نظر "بهية" إلى "ست أبوها" مستفهمة! 
أردفت "ست أبوها" مبتسمة على استحياء تعلوها حمرة الخجل، "أيوه الله يا ستي، "طُفيل" هذا لا يجيد إلا الكتب والقلم، الظاهر يا ستي أنه يريد حكاياتك! رغم أننا سمعنا أن ميمون العطار صار يتردد عليها كثيراً ويقضي معه ساعات، والآخر "هارون" قد جعله وزيراً، قد عين "طُفيل" كل قومه في شؤون المملكة ويبدو أن كل شئ قد حدث بالتراضي يا ستي. سيأتي الليلة وسيطلبك يا ستي" 
أشارت "بهية إليها بالرحيل، ودخلت إلى غرفتها في القصر التي اصطفت بآيات من الذكر منها ما كُتب بالقلم السرياني والآخر بالقلم الروميّ، ومنها بالقلم البهلويّ. "بهية" لم تكن أمة عادية، يقضي معها الرجال ساعة في الليل ويرحلون، كانت "بهية" حكّائة، تحب القراءة والموسيقى، وكل ما هو غريب من الأمم الأخرى، وكانت تسدي النصح "لعثمان" المقتول هذا محاولة أن تهديء نزعته الحيوانية من القتل وشهوة الثراء التي قتلته دون شك، كانت تعلم أن عليها أن تسري عن "وحش" لياليه بالحكي، طالما أحب حكايات الدس والمؤمرات والدم، لم تحزن "بهية" على موته، والآن عليها أن  تسري عن قلب "طُفيل".. شاهابندر التجار اليهودي الذي آلت إليه المملكة بالتراضي. تسألت شاردة من خلف مشربية تفتح على حوانيت المدينة التي بدأت الحياة والروائح تدب فيها، كيف سيكون اللقاء معك يا "طُفيل"؟ تعلم أن الأمر الآن صار مغايراً مع "طُفيل" وقوم "طُفيل" وان رضى كبار المملكة بتنصيبه ملكاً بالتراضي فأن العامة لن يرضوا بهذا، "طُفيل"! من كان يحمل الأقمشة ليبيعها في بيوت القرية البائسة حتى تشققت قدماه، تقع المملكة في حجره! سويعات قضتها "بهية" في إنتظار "طُفيل"، حتى طلب الدخول عليها في غرفتها. دخل وكان ليس بالطويل ولا القصير، صاحب هيبة بلا شك، يرتدي عبائة وطيلسان أسود، ونعل أسود، قد خلع الزنار "الأصفر" الذي ألزم "عثمان" وملته..عجوز لكن لازال بصحة جيدة. ألقى عليها السلام كما يلقيه القوم في المملكة " السلام عليك يا بهية" أجابته : "السلام على من اتبع الهدى ياسيدي" أشرقت الدار بمجئيك، ألك رغبة في طعام؟ جلس "طُفيل" على طرف السرير متأدباً هو الآخر، وأخبرها أنه قد سمع عنها كحكائة، وأنه يحب أن يسمع منها، ربما تقص عليه ما يفيده في بداية حكمه قدبدأت الأمور على غير ما يرام، وصار قلقاً زهيد النوم. 
"وما يقلق قلب سيدي؟" اجابها: "المملكة! أهناك أكبر وأعظم منها؟!" 
تنهدت "بهية" وقد علمت أن المراوغة لن تجدي مع "طُفيل"، فبادرته بسؤال " ماذا تريد أن تكون عند الله باسيدي، ملكٌ أم خليفةٌ؟" دُهِش "طُفيل" من السؤال وأجابها "ومالفرق؟" 
تبسمت "بهية" وأردفت :" هل أتاك حديث ملكة سبأ في قرآني؟ "قالت أن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون" (النمل 33)، أما الخليفة فله شأن آخر ياسيدي، الأمر بيدك، ماذا تريد أن تكون؟ " 
سكت طويلاً، وأخبرها وكيف أكون خليفة؟ انتبهت "بهية" وشارعت في الشرح والحكي والتفصيل أن الله يستخلف من عباده من يريد، ليكون خليفة الله في الأرض، إذا ما حفظ العهود ، عليك بالعهود ياسيدي.. 
"أي عهود؟ وهنا قطع الحوار صوت الحاجب الآتي مسرعا ملتاثاً ودخل على "طُفيل" يخبره ببوادر تمرد في المملكة، فقد سلّح هارون الوزير العسس واستولوا على حوانيت بالتراضي مع "اشماعيل" شيخ الحرفيين في سوق السلاح، وقرروا اقتسام الغنيمة، هارون يبدو أن له مآرب أخرى..دقائق وبدأ دبيب وصخب يأتي من بعيد، لم يتبين أحد بماذا يصيح العامة في الطرقات. نظر متوسلاً إلى "بهية" التي لم تجبه إلا عليك بالعهود ياسيدي، واحترس من هارون وإياك أن يفلت الزمام، لك الإختيار ياسيدي أن تكون أم "عثماناً" أو "سليماناً!  
تعالى الهتاف في "القرية" "المملكة" واضطرب "طفيل" وأمر بقائد الجند أن يطلقوا الخيل على المحتجين، وأن يسير بالرعب بين العامة لإسكاتهم وأخذ يسترسل في أوامره ولم ينتبه إلى اختفاء "بهية" في ظروف غير مفهومة، هل تلاشت؟ هل خرجت من الباب دون أن يدري أحد؟ أم أن هناك أبواب أخرى في الغرفة؟ 
لم يدرك "طفيل" أن الفجر قد لاح وكان على شهرزاد السكات حتى يأذن الله في أمر "طُفيل" ويأذن "طُفيل" في أمر هارون ومن معه..

شــارك
التعليقات

0 التعليقات :

إرسال تعليق