«الشاويش» قصة قصيرة للكاتبة/ ديانا مجذوب

الشاويش
ترنحت سيارة الدفع الرباعي يمنة وشمالا تحت تأثير الوحول التي تحولت الى مادة لزجة تشبه الصابون، وهي تسلك طريقا موحشة مقفرة في يوم ممطر قاصدة مخيما للاجئين السوريين. لم يكن يشاركها الدرب إلا مجموعة من الكلاب الضالة التي استقطبتها أكوام من النفايات على طرفي الطريق بحثا عن طعامها. أغلقت النوافذ بدافع الخوف و التوتر، مما أدى الى تجمع بخار الماء على الزجاج الأمامي للسيارة حاجبا الرؤية، فكانت كلما اقتربت من المخيم قل تركيزها على القيادة، لأن أفكارها و جزءا منها سكن مع أهل المخيم. لقد أخافتها مجموعة من الكلاب الشاردة نهارا وهي آمنة في سيارتها، فكيف يعيش هؤلاء في هذه المنطقة النائية، كيف استطاعوا أن يقضوا خمس سنوات وهم أسرى هذا المخيم لا يستطيعون الخروج ليلا من ألواح الإترميت التي يعيشون بداخلها لقضاء حاجتهم الطبيعية، ألم تسخر فرح من صديقاتها في المخيم كيف يتراكضن في الصباح الباكر، وكل منهن تحمل ما تجمع ليلا من بولهن وبول أزواجهن وأولادهن في سطول للتخلص منها في الحمام الوحيد المشترك بين أهل المخيم رجالا ونساء، حيث يغتسلون ويتوضؤون ويقضون حاجتهم نهارا. لن تنسى وجه سهام التي كانت تحاول الإبتسام مغالبة دموعها وقد زادها حزنها، وصبرها، وإيمانها جمالا عندما أخبرتها أنها فقدت وليدتها البكر في يوم عاصف، لأن جسدها الغض الطري عجز عن تحمل الصقيع. لم تكن لتتخيل أنه في العام 2017 قد يموت طفل رضيع بسبب البرد. اقتربت من المخيم، وبدأ يلوح لها مجموعة من الاطفال تتراوح أعمارهم بين الثامنة والأربعة عشر عاما، وقد غطوا روؤسهم بأكياس من النايلون تفاديا للمطر، وانتعلوا في أرجلهم أكياسا، تعتقد للوهلة الأولى بأن دافعهم هو الخوف من المرض، ولكن الحقيقة انه تدبير يحفظ أحذيتهم سليمة من الوحول. كان هؤلاء الأطفال يتوجهون إلى المدرسة الرسمية الوحيدة في القرية القريبة والتي تبعد مسافة نصف ساعة مشيا على الأقدام. بعد صراع مرير بين سيارة الدفع الرباعي والطريق، وصلت إلى أقرب نقطة من المخيم، وكان عليها أن تجتاز طريقا زلقا مشيا على الأقدام إجتازته متمهلة، إلى أن بدأت تسمع صوت ضحكات النسوة وغنائهن ترتفع بأغنيات من التراث السوري القديم.
عالصالحية يا صالحة..لا تقولوا لي وينك يا صالحة
ما غمضت عيوني من مبارحة..لشوفة حبيبي أنا رايحة
جبلي و جبلي يادادا جبلي..حلق الالماس انشا الله يلبقلي
حاكاني شي لا والله..زعلني شي لا والله..وأنا لعندو رايحة
عالصالحية يا صالحة..لا تقولوا لي وينك يا صالحة
ما غمضت عيوني من مبارحة ..لشوفة حبيبي أنا رايحة
جبلي وجبلي يا دادا جبلي روب الحرير انشا الله يلبقلي
نسيني شي لا والله.. لو عني شي لا والله..وأنا لعندو رايحة
عالصالحية يا صالحة..لا تقولوا لي وينك يا صالحة
ما غمضت عيوني من مبارحة..لشوفة حبيبي أنا رايحة.
وما أن رأتها النسوة حتى علت الزغاريد، فبادرتهن ممازحة :" خير من تزوجت منكن مرة ثانية". قفزت جيهان من مكانها قائلة :"وجهك خير علينا، لقد تلقينا رسائل هاتفية من الأمم تنبئ بوصول المعونة المادية الشهرية المخصصة لكل أسرة في المخيم بعدما فقدنا الأمل بوصولها، وأصبنا جميعا بالكآبة، هذه المعونة تسد رمق أطفالنا، وتبقينا أحياء". سعاد وجدت في اعتراف جارتها الفرصة المناسبة لتضرب على الوتر الحساس :" إذن عليك تسديد الدين المتوجب بذمتك لي". :" ما شاء الله حولك، اي ما في بالعادة آخد وما رد، فضحتينا قدام الآنسة". أرادت أن توقف الجدل بين الجارتين فقالت:" لقد تبللت ثيابي من المطر".
جيهان" بسيطة آنسة، شو كنتي عملتي لو انتي ونايمة طار بيتك، مثل ما صار الشتوة السابقة، عليم الله وما الك علي حلفان- وكانت تشير بإصبعها تجاه أم طلال وهي تضحك،وأم طلال تعض على شفتها محاولة منع جارتها من الحديث- طار بيت أم طلال المسكينة الي كانت نايمة بالشوشة، وصارت محتارة ويلا تفتش على غطاء رأسها، ويلاها المي الي جرفت كل شي".
طأطأت أم طلال رأسها وكأن ما ارتكبه المطر قد ألحق بها الخزي والعار.
الآنسة: لماذا لا تفكرون بالعودة، أليس ذلك أكرم لكم، أصبح هناك العديد من الاماكن الآمنة داخل سوريا؟!
جيهان: لو عدنا سوف يجبر أزواجنا وأولادنا على الإلتحاق بالجيش، ويضعوهم على جبهات القتال، لكي يقتلوا في حرب لسنا فيها سوى وقود من قبل كل الأطراف المتصارعة، إنه حال الفقراء دائما، فالأغنياء لديهم مناعة ضد الحروب، هنا ورغم كل الظروف لدينا فرصة للحياة.
حاولت الآنسة إنهاء الحديث، لأنها لا تريد ان تتورط في أحاديث سياسية قد تخسرها وظيفتها مع جمعية تعنى بالشؤون الإنسانية للاجئين السوريين، بالرغم أنها لم تعد مؤمنة أن هذه الجمعيات همها الوحيد هو الإنسان، فعندما يتحول الإنسان الى مجرد رقم، الى داتا، كم يبقى من إنسانيته؟ وعندما تتحول الشؤون الانسانية الى وظيفة ومرتب نعتاش منه، كم تفقد الإنسانية من صفاتها؟!
توجهت نحو الصف في المخيم، ولحقت بها السيدات. كتبت الأحرف الأبجدية على اللوح معلنة بداية حصة جديدة. اعترضت أحلام:" ها هي الحروف عالقة مثلنا في المخيم، ولن تغادره، دعينا نخرج ما بداخلنا، تواجدك معنا يشعرنا بأننا في جلسة للعلاج النفسي، نحن نعيش في دوامة لا تنتهي من الخوف، الخوف من الشتاء، الخوف من الليل، الخوف على أطفالنا من المرض والجهل، الخوف من توقف معونة الأمم، الخوف من الترحيل، الخوف من رجال الأمن، والخوف من الشاويش منذر صاحب الأرض الذي أسس جمعية يصادر بإسمها كل المساعدات التي تهبها الجمعيات الإنسانية للمخيم، فنحن لا يصلنا من الجمل سوى أذنه، ومع ذلك عضضنا على جرحنا ورضينا، فنحن نقيم على أرضه بدون مقابل، ليته يكتفي بذلك، إنه يبتز الجمعيات ليبني منشآت مدعيا أنها لتسهيل حياتنا اليومية، ويسخر رجالنا وأولادنا في أعمال البناء المجهدة لمدة لا تقل عن عشرة ساعات يوميا، حتى انه أقنع احدى الجمعيات الإسلامية ببناء مسجد ومطبخ، وثلاثة غرف لتعليم الأطفال وملعب، ثم ما لبث أن أقفل هذه الغرف بعد تجهيزها، وحولها الى مخزن يجمع فيه ما تيسر من مساعدات تقدمها الجمعيات لنا، هذا فضلا عن إجبار النساء على العمل في الزراعة، و قطاف الزيتون، ومن يمتنع من أهل المخيم عن العمل بالسخرة يعاقب أولا بحرمانه من النزر القليل من المساعدات، واذا استمر الاحتجاج يرمى خارج المخيم".
بدأت أحلام التي تشبه المهرجين من كثرة تبرجها بالضحك الهستيري، ثم أضافت:" من كثرة الخوف بدأت أتخيل أن الخوف رجل على شاكلة الشاويش منذر يعنفني ويشاركني فراشي كل ليلة رغما عني. منذ يومين باغتنا الأمن اللبناني بزيارة، واقتاد كافة الرجال الى المخفر، تعلق ابني ببنطال والده رافضا تركه، مما استفز العسكري الذي هدد طفلي بإرسال والده الى سوريا كي تقتله داعش، وبسجنه وضربه حتى الموت، ومنذ ذلك اليوم وابني يبلل فراشه يوميا، والمشكلة بالنسبة لي ليست بأزمته النفسية، فهي لن تقتله، وأنا طبعا لا أملك رفاهية إصطحابه لمعالج نفسي، فهذه الأمور ليست لمن هم بمثل أوضاعنا، مشكلتي أبسط من ذلك بكثير، مشكلتي يا آنسة أن تبوله المستمر يتطلب اما زيادة في مصروف أدوات التنظيف، أو وضع حفاض له قبل النوم، وكلا الحلين احلاهما مر".
لا تريد أن تتخيل ما قد تولده النقمة، ومشاعر الحقد والكراهية التي قد يحملها هذا الطفل في قلبه لهؤلاء العسكر من نتائج مستقبلية، لذلك أرادت مرة أخرى توجيه البوصلة نحو ما هو إيجابي، ودفع هؤلاء النسوة للإيمان أن مجرد وجودنا على هذه البسيطة، وحياتنا التي وهبها الخالق لنا هي قيمة علينا المحافظة عليها مهما كانت ظروف هذه الحياة صعبة، ووضع هدف يمنحهن الأمل، و يبث روح التفاؤل في أرواحهن المتعبة.
سألت ثريا وهي أقربهن لقلبها أليس لديكن هوايات، بكل جدية أجابت ثريا :" بلى فسميحة هنا نتافة من الدرجة الأولى، والطلب عليها شديد نهار الخميس". ما أن تفوهت ثريا بهذا الرد المبهم حتى صدحت حناجرالسيدات بالغناء يا "هلا بالخميس"، وبدأت السيدات بالتصفيق وقامت بعضهن بربط خصورهن بالمناديل ولم يتوقف الهز والرقص، إلا بسؤال الآنسة عن معنى النتف وعلاقة هذا المصطلح بيوم الخميس.
تولت ثريا الإجابة وهي يكاد يغمى عليها من الضحك:" يا آنسة النتف يعني السكر باللهجة اللبنانية، والخميس ليلة مفترجة، والجمعة يستيقظ الرجال للاستحمام والخروج للصلاة".
- لم افهم مقصدك يا ثريا
- يو سمعوا على هالحكي، والله كأنك يا آنسة مو مزوجة، ولوأنت ست المفهومية.
غاب عن ذهنها أن الجنس غريزة فطرية لدى الإنسان، وأن أعداد الاطفال ما دون الخمس سنوات ليس بالقليل في المخيم، وأن الحرب لم تكن يوما عائقا أمام الولادة بمعناها اللفظي والمجازي، لا بل ربما تكون أحيانا دافعا عندما يصبح التكاثر فعل الحياة الوحيد، أو الوسيلة الوحيدة للتخفيف من ضغوطات الحياة. إن عدم قدرتها على تصور فعل على درجة عالية من الخصوصية والقدسية يحصل تحت سقف من الإترميت مزدحم بالبشر هو ما جعل عقلها عاجزا عن استيعاب ما ألمحت له ثريا.
الأنسة: لكن يا ثريا على هذه الحال، كيف تحتطن من الحمل؟ انكن على هذه الحال تحملن في أول العام وأخره، هل تدركن كنسوة مخاطر الحمل بهذه الوتيرة على صحتكن الجسدية والنفسية وحتى المادية؟ إن إنجاب الأطفال يوجب على أزواجكن مصاريف وهم عاطلون عن العمل!
ثريا: ومن قال أننا نحتاط؟!
نظرت اليها الآنسة نظرة استفهامية تدل على عدم الفهم.
فقالت ثريا بلهجتها السورية:" الشهر الفايت نور رميت وهدى رميت".
مرة اخرى بدا على وجه الآنسة عدم الفهم!
ثريا: يبعتلي حمى، إي لازم كل ما تجي جيب معي معجم، رميت يعني طرحت، اسمعي آنسة، رأسمالها لما الواحدة منا تشك انها حامل، ابريق زنجبيل أخضر مع قرفة ونعنع وشوية تحابيش ويدلو يعقد على النار وتغب منه طول النهار لحد ما ترمي.
صعقت الآنسة بما تفوهت به ثريا، فهي لم تكن تتخيل أن ضيق ذات اليد والعوز قد يدفع هؤلاء السيدات الى الاستهتار، واللجوء الى الاجهاض المتكرر وما قد ينتج عنه من أضرار صحية قد تصل للموت.
من كثرة حكاياتكن بت اعتقد انكن خرجتن من احدى الروايات الخيالية التي لا تمت للحقيقة بصلة.
ان المؤسسة التي اعمل بها تعمل مع سيدات مثلكن وتهدف الى تعليمهن مهنة، يستطعن من خلالها تأمين حاجاتهن الأساسية، ما رأيكن دام فضلكن؟!
نور باللهجة المحببة لاهل القصير في حمص خاطبت جارتها ام علي قائلة :" يا عيناي يعني يا ام علاي لح نصيرمن العاملات، حلوي الخبرياي، لح يصير النا قيماي، يا اماي شو حلوي "
(اهل القصير في ريف حمص ينهون كل كلماتهم بياء مشددة).
"نعم يا دنيا (الآنسة تنادي نور بدنيا تيمنا بمسلسل دنيا حيث تتشابه لهجة البطلة بالمسلسل مع لهجة نور) لكن عليكن أن تجتمعن وتفكرن جديا بمشروع قد يساعدكن على اعالة انفسكن وعلى الاقل شراء الحليب لأولادكن".
أحدثَ كلام الآنسة فرحة، فارتسمت معالم البشر والترحاب على وجوه السيدات اللواتي لم يصدقن ان أمرا إيجابيا قد يدخل حياتهن في خضم السواد الذين يعشن فيه.
بدأ العصف الذهني عند السيدات، فقد امتلأت النسوة حيوية ونشاطا، وتحولن الى بركان مشتعل، وراحت كل منهن تستعرض مهاراتها التي يمكن ان تعلمها لجاراتها، كي يتشاركن في مشروع تعاضدي يعود عليهن بالمنفعة، لا بل وبدأت كل منهن تضع خططا مستقبلية لكيفية الاستفادة من حصتها المادية، وما تريد شراءه من احتياجات بسيطة بالنسبة لأي شخص، بينما بالنسبة لهن ولاسرهن رفاهية وترفا، مثل الفواكه، والحليب، والشوكولا، والملابس الجديدة لأطفالهن. في خضم هذه المعمعة لفت نظر الآنسة دمعة مروة، واقتراب جارتها عائشة منها مواسية:" ولي على آمتي شو محورئة، خلص بكي، شفتي هاي ربنا من عندو فرجها عليكي وعلينا، بكرا ان شاء الله بس تاكلي منيح وتتغذي بصير حمادة بيشبع من حليبك". اقتربت عائشة من الآنسة موضحة أن حمادة الذي يبلغ خمسة أشهر وزنه لا يزداد، نتيجة سوء التغذية عند مروة، وأن أولادها الثلاثة يعانون من مرض الثلاسيميا، وكافة الأسر يحاولون المساعدة قدرالمستطاع في تكاليف العلاج، كما أنه أحيانا المخيم بأكمله يقضي ليله مستيقظا بسبب أنين الوجع الصادر من خيمة مروة، والذي يتردد صداه داخل كل الخيم التي يقف ساكنيها عاجزين أمام الوجع ونوبات الحمّى المتكررة.
أرادت الآنسة تحويل هذا الوجع والألم الذي يشعر به كافة أهل المخيم الى طاقة تدفعهم للفعل فمازحتهم قائلة": ما بالكن تشترين البردعة قبل الحمار، هيا، حان وقت العمل، وآن الأوان لتحويل الأحلام إلى واقع،اتحفوني بأفكاركن النيرة، من منكن لديها فكرة عن عمل أو مشروع قد تنفذونه بشكل جماعي، لنرى كيف يمكن ان تحوّلن ما أنتن بارعات به الى عمل ذي فائدة، بإستثناء النتف يا سيدات، بالرغم من أنه عمل مربح، لو كان بإمكانكن العمل في صالونات التجميل، والتي أصبح عددها في البلد يوازي عدد النساء".
وكأن أم طلال – وهي أكبرهن سنا- كانت تنتظر الفرصة المؤاتية كي تتباهى بقدرتها ومهارتها:" أنا كنت أعمل في سورية في حياكة الصوف، وكنت أدير مجموعة من العاملات، بأهم معمل لصناعة الألبسة الصوفية، وهي مهنة لا تحتاج إلا إلى أدوات بسيطة، وغير مكلفة مثل السنانير، الخيوط الصوفية والمقصات، وتستطيع كل منكن العمل في منزلها، وفي أوقات فراغها، وأنا على استعداد أن أعلمكن كيفية صناعة الإكسسوار من الصوف مثل العقود، والأساور، والخواتم، وأغطية تدفئ أولادكم شتاء، وإذا كنتن جادات، لن تحتجن لأكثر من شهر لإتقان المهنة".
حماس وفرحة أم طلال الخبيرة بالحياة، لم يفقداها قدرتها على التفكير السليم، فأضافت:" يبقى أمامنا خطوتان لتحقيق الحلم، وتحويله الى حقيقة، تصريف منتوجاتنا، وموافقة الشاويش منذر".
زاغت العيون، ووجمت السيدات وكأن على رؤوسهن الطير، فمجرد ذكر اسم الشاويش يدخل الى قلوبهن الخشية والخوف.
تدخلت الآنسة ضاربة على صدرها، مما أوحى بأنها صاحبة المعجزات، والقدرات الخارقة، شارحة باستفاضة أن المؤسسة التي تعمل بها قادرة على تصريف الإنتاج، كونها متعاقدة مع عدد من التجار والمحلات يعملون في هذا المضمار. أما الشاويش فأمره سهل، وهي ستتولى بنفسها إقناعه.
نظرت الآنسة في ساعة يدها، فأدركت أنها تأخرت عن موعد انصراف ابنتها من المدرسة. استأذنت من النسوة في المخيم، واعدة أن تلتقي مع الشاويش لتحصل على موافقته على المشروع، وهي واثقة أنها لن تواجه أية مشاكل في إقناعه، لأن التأثير، وقدرتها على التواصل والإقناع طالما كان ملعبها، وأكثر صفاتها الشخصية قوة. غادرت المخيم، بعد أن بنت للنسوة جسرا من الأمل على نهر يأسهن، وحولت أفكارهن السلبية عن أنفسهن، وحياتهن، ومعاناتهن المشتركة إلى أمل مشترك بالتغيير نحو مستقبل أفضل.
حددت الآنسة مع الشاويش منذر موعدا للقاء في اليوم التالي، وقد تسلحت ليلا بكل ما تمتلك من حجج وبراهين تثبت بأن وضع النسوة، والأسر غير الإنساني سوف يغيره هذا المشروع الذي تحمست جميع السيدات للمشاركة به.
حرصت الآنسة على الوصول في الوقت المحدد للقاء. استقبلها الشاويش الذي لا يسلم باليد بابتسامة عريضة، مبديا روحا من الدعابة والود، والكرم الحاتمي في الضيافة.
بعد الاستقبال الحار، بدأ الشاويش حديثه عن ما يقدمه لأهله في المخيم من مساعدات غذائية، وأدوية، وملابس وكم يتكبد من مشقة للإتصال بالجمعيات الإنسانية التي يلجأ المسؤولون فيها إلى المراوغة، وسرقة المساعدات قبل وصولها للمخيم، معترفا أمامها بأنه لا يبتغي من جزاء سوى وجه الله تعالى، ودعاء أهله في المخيم له ولأولاده، وأن هؤلاء الأسر يقيمون داخل المخيم بدون أجر، وأنه يؤمن لهم الماء والكهرباء، ثم بين لها السبب الذي دعاه إلى إستقبال أهله من السوريين الهاربين من بطش النظام، وظلمه، وأتون الحرب الأهلية، لأنه هو نفسه كان ضحية، وعانى في الحرب اللبنانية من التهجير القسري، وشظف العيش، لذلك هو يتفهم حاجتهم وقهرهم، ويتعاطف معهم، رغم أن قلة منهم ناكرون للجميل، مما يسبب له وجع الرأس، ويفكر بطردهم من المخيم، فالبعض يغتابونه، ويحرضون الجمعيات ضده.
بدآ حديثه منطقيا! حتى ساورت نفسها الشكوك حول صحة ما قالته النسوة عن هذا الرجل، وحول صواب رأيهن به، وإمكانية أن يكون حكمهن جائر وظالم، فهو لم يبد إلا كل اهتمام.
كان شرحه المستفيض بصوت هادئ ومنخفض يشبه ترتيلة الصلاة التي استدعت المطر، ولكنه المطر الغاضب! الذي أجبرهما على ترك المصطبة التي استقبلها على مقاعدها أمام دكانه، والدخول الى الدكان، حيث ما لذ وطاب من مساعدات ممهورة بأختام المؤسسات الإنسانية من معلبات، وحلاوة، وجبن مبستر، وأنواع من البسكويت الأجنبي الصنع الذي قدمه لها مع الشاي فور وصولها، كاستعراض لكرمه الحاتمي.
أنهى الشاويش كلامه، ومد يده تجاهها، آذنا لها بالكلام، وقد كانت ما زالت تحت صدمة المعلبات الموضوعة على الرفوف، وعندما حولت بصرها تجاهه، كان قد أدخل سبابته في أنفه الغليظ الأفطس، بادئا في عملية تنظيف، بدا لها أنها لن تنتهي، خاصة مع استخدامه لظفر خنصره في التخلص مما علق في سبابته، ثم مسحها بجاكتته الرمادية، معيدا الكرة، غير آبه بوجودها، بل كأنه كان يتعمد إحراجها، محدقا بها بعينيه الصغيرتين الثاقبتين تحت حاجبين كثيفين، ووجهه المربع كالفطيرة. نفورها دفعها لا إراديا إلى الابتعاد خطوتين نحو الوراء، ومجرد أن بدأت بشرح ما جاءت من أجله، حتى رفع سبابته التي كان وضعها في أنفه ملوحا بها في الهواء قائلا:" هؤلاء لا يعرفن مصلحتهن، وأنا لن تسيرني مجموعة من النسوة الجاهلات، وأنت تعلمين طبعا أن هذا المخيم لا يدق به مسمار إلا بإذن مني، وأود أن أخبرك أنّ لي آذانا في المخيم، وأنا على اطلاع على مشروعك وهو غير نافع، وأنا - والعياذ بالله من كلمة أنا- سهرت ليل البارحة أفكر لك بمشروع، إلى أن هداني الله إلى ما فيه خير لهؤلاء النسوة، وهو شراء ماكينة خياطة يتعلمن عليها تصليح الثياب لأزواجهن وأولادهن، وقد تكلفت مشقة الإتصال بسيدة تبيع ماكينات خياطة مستعملة واخترت لك واحدة سعرها مناسب، هذا عرضي لك، وأنا مستعد للتعاون معك ضمن هذا الإطار، أما إذا كان التنفيذ متعذرا، فإن شاء الله، ربما بمناسبات قادمة نستطيع التنسيق والإتفاق على مشروع آخر لما فيه خير ومصلحة أهلنا بالمخيم".
كان عقل الآنسة يسأل: هل هذا الرجل الودود الذي استقبلها في بداية اللقاء، هو نفسه ذات الثعلب الذي يودعها شبه مطرودة؟ متساءلة عن السبب الحقيقي، وراء رفضه المشروع.
بكل ما أسعفها به ذكاؤها أجابت:" عليها أن تراجع مسؤوليها، فهي لا تملك صلاحية اتخاذ أي قراربنفسها، وأنه يجب أيضا أن تستشير صاحبات الفكرة في المخيم، وتأخذ موافقتهن على أي تعديل". قبل أن تغادر نظرت بطرف عينها الى منذر الذي وقف بباب دكانه، وقفة منتصر شامخ.
توجهت إلى المخيم للقاء السيدات آملة أن تجد لديهن جوابا لسؤالها، التقت على مدخل المخيم بأم طلال، التي يبدو أن تجارب الحياة علمتها قراءة خيبة الأمل على الوجوه، وفي العيون، وأدركت أن الحصيلة شعير، وليس قمحا، لكن المرأة احترمت مشاعر الآنسة، ففضلت السكوت. ثم ما لبثت السيدات أن تجمعن حولها، وكأن مغنطيسا قد شدهن جميعا الى تلك البقعة من المخيم.

كانت الآنسة تحاول التخفيف من وقع الرفض عليهن، وعلى نفسها، محاولة ترتيب أفكارها لتقديم عرض (منذر) بدون أن يبدو ذلك انتصارا له على إرادتهن، أو تحطيما لأحلامهن، فقالت :" الشاويش رحب بفكرة المشروع، لكنه إقترح بديلا بسيطا، أن نستبدل الصوف، بتعلم الخياطة على ماكينة حديثة، وكلا الفكرتين تخدمان نفس الهدف، الا وهو تعلم مهارة، او مهنة تدر عليكن دخلا إضافيا".

تدخلت مريم وهي فتاة خجولة قليلة الكلام موجهة حديثها إلى الآنسة قائلة :" يا آنسة، يلي بيعرف بيعرف ويلي ما بيعرف بيقول كف عدس".

الآنسة: وما الذي أنطقك يا مريم بعد سكوتك دهرا؟ -بالله عليك أخبريني!-، ما الذي تعلمونه وقد خفي علي؟

لم تنطق مريم، بل أدارت ظهرها ومشت، تاركة الآنسة في حالة من الذهول، والغضب من كلام مريم.

عندها، شرحت أم طلال للآنسة أن زوجة منذر خياطة، وتملك في القرية معملا للألبسة، وأن منذر يخطط للإستيلاء على الماكينة بعد شرائها من قبل الجمعية، ووضعها في معمل زوجته، وأنها ليست المرة الأولى التي يلجأ الى مثل هذه الأساليب لتحقيق منفعة شخصية.

ردت الآنسة:" هذه المرة على جثتي، لن يحقق منذر مراده، سوف أرفع تقريرا للمسؤولين في الجمعية وأطلعهم على كافة ما يقوم به منذر من ألاعيب قذرة، حان الوقت لوضع حد لسفالته، وهذا وعد مني".

توجهت الآنسة إلى سيارتها، استعدادا للرحيل، و بعد أن ابتعدت قليلا، سمعت همهمة من السيدات، لكنها لم تلتفت بسبب حنقها من ردة فعلهن، ثم نادتها عائشة، فلم تجد بدا من العودة، تقدمت عائشة خطوتين إلى الأمام طالبة بإسم جميع الأسر في المخيم أن تتولى الجمعية علاج أولاد مروة بالمبلغ المرصود للمشروع، لأنهن لا يردن تعلم الخياطة، والتآمر مع منذر ضد أنفسهن.

كان لا بد للآنسة من أن توضح أن الأمور لا تجري بهذه الطريقة، وأن عليها أن ترفع تقريرا للجمعية تشرح فيه ملابسات الموضوع، وأنها متأكدة أن الجمعية الإنسانية التي تعمل بها لن ترضى بأن يلحق بهم الظلم.

للمرة الثانية تنطق مريم :" اي كان غيرك أشطر، انتي عم تقولي انك بدك تساعدينا يا خانم، اي نحنا كل شي بدنا يا، ومطلبنا وحاجتنا الوحيدة هو علاج ولاد مروة".

شعرت الآنسة بنبرة تحد واستفزاز في نبرة صوت مريم، تلك الفتاة الوديعة، والمسالمة، مما كاد يفقدها أعصابها، لكنها كتمت غضبها رامقة الفتاة بنظرة باردة، أعقبتها بهزة خفيفة من رأسها، وهي تفكر أنها سوف تثبت لهذه الفتاة أنها ليست كسواها.

في طريق العودة إلى مركزعملها كانت تحاول ترتيب أفكارها، واختيار ما هو مقنع لتدبج تقريرها، وترفعه للمسؤول عنها، ذلك الرجل المهذب القادم من بلاد الضباب، لم تحادثه مرة، إلا وأعجبت برقيه، وثقافته وسعة معرفته، وعقله البارد، وحسن تدبيره للأمور، لذلك اكتسب ثقتها، وتقديرها واحترامها. ما أن وصلت الى مكتبها حتى جلست إلى حاسوبها، وأفرغت كل ما في جوفها من مشاهدات، وأحداث عايشتها في المخيم، مشددة على استغلال منذر لسكان المخيم، وأوضاعهم المعيشية المزرية تحت وصايته، وسوء إستخدامه للسلطة الممنوحة له من قبل الجمعيات الإنسانية، منهية تقريرها بتوصية تقضي بتخصيص المبلغ المرصود لأهل المخيم - بناء على طلبهم - لعلاج أطفال مروة، ومساءلة الشاويش قانونيا وقضائيا عما يرتكبه من أفعال أقل ما يقال فيها أنها جرمية.

أنهت الآنسة تقريرها في وقت متأخر، فهي لم تتنبه للوقت الذي مر، إلا بعدما شعرت بألم ووخز في رقبتها نتجية الوقت الطويل الذي قضته أمام الحاسوب، حركت رقبتها يمنة وشمالا، أعادت قراءة التقرير، حتى اطمأنت، وشعرت بالرضا عن الصيغة النهائية، ثم نقرت زر الإرسال، وأغلقت حاسوبها، وأطفأت أنوار المكتب، وانصرفت.

ما أن وصلت منزلها، حتى تفاجأت بابنتها الوحيدة، تختبئ خلف الباب ملوحة بورقتين، الأولى عرفتها على الفور، الدفعة الثانية من القسط المدرسي، أما الثانية فهي ورقة قبولها في إحدى أهم الجامعات لدراسة الطب. أخذت ترقص فرحا، فهي منذ وفاة زوجها لم تشعر بمثل هذه السعادة، لقد وهبت حياتها لتربية وتعليم ابنتها الوحيدة، وزوجها لم يترك الكثير، لم تطلب معونة أو مساعدة أحد، غيرت اكثر من وظيفة، وكانت تعطي الدروس الخصوصية بعد الظهر، مما سمح لها أن تعلم ابنتها في مدرسة على مستوى أكاديمي عال، وأن تعيشا برفاهية لا بأس بها. في خضم الإحتفال لم تسمع رنين هاتفها، إلا أنها تنبهت أن رئيسها في العمل السيد shrewd قد اتصل بها أكثر من مرة. لا بد أنه اطلع على بريده الألكتروني، واهتمامه بما ورد في تقريرها دفعه لتخطي أصول الكياسة واللياقة اللتين عرف بهما في المؤسسة محاولا التواصل معها بعد دوام العمل، يبدو أن نهاية النهار الطويل المضني سوف تكون منتجة، وخواتيمها مسك مع

تفاعل السيد Shrewd . عاودت الاتصال وسمعت صوته على الطرف الآخر.

- مساء الخير، أرجو أن تتكرمي بزيارتي صباحا، قبل توجهك للعمل، شكرا لك.

لقد أقفل الهاتف قبل أن يسمح لها بالإستفسارأوالسؤال!

لكنها استبشرت خيرا، ولم يسمح لها التعب سوى بالتفكيربأخذ حمام بالماء الساخن والخلود إلى النوم.

وجه السيد Shrewd ليس من الوجوه التي يمكن قراءتها بسهولة، وكانت دائما تربط ذلك بقدرته على ضبط انفعالاته، وسيطرة خاصية العقلانية على كل قراراته، وهذا أكثر ما كان يجذبها إليه، فضلا عن أنه رجل وسيم، قوامه رياضي، أنفه مستقيم أشم ينطق بالقوة، متناسق مع وجهه المستطيل، ومع عينيه اللتين تحملان زرقة البحر وأسراره، أما التجاعيد الدقيقة على جبهته وحول فمه، وبعض الشعرات البيض التي تعلو رأسه فقد منحته إجلالا وهيبة.

طرقت الآنسة باب مديرها، الذي وقف لاستقبالها، طالبا منها الجلوس على الكرسي المقابل لمكتبه، وبعد أن أعادت على مسمعه كل ما رفعته في تقريرها، وأفرغت ما في جعبتها، سألها:" هل تعرفين السبب الذي دفع عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى إلى إقرار نظام الانتداب؟

لم تر الآنسة رابطا بين السؤال والموضوع، واعتقدت أن مديرها يجاذبها أطراف الحديث، لذلك خامرها شعور بالفخر والندية، عدلت جلستها، واحتلت كامل مقعدها بعدما كانت تجلس على حافته، ورفعت أكتافها لتستعرض أمام مديرها ثقافتها التاريخية موضحة أنه كان لفرنسا، وبلده الأم إنكلترا أطماعا استعمارية بخيرات الشرق، لذلك وافقوا على اقتراح رئيس وزراء جنوب أفريقيا (الجنرال سمطس) لاقتسام البلدان التي كانت تحت حكم الرجل المريض، أو الدولة العثمانية.

ضحك السيد Shrewdملء شدقيه، وللمرة الأولى تنتبه لأسنانه البيضاء المنضدة بشكل اصطناعي مزعج ذكرتها بالابتسامة العريضة التي استقبلها بها الشاويش منذر، جفلت في مكانها، وتصلب جسدها على الكرسي محاولة إزالة هذا التماثل بين الصورتين، فأين الثرى من الثريا، تملكتها الصورة أكثر وتطابقت بعدما نطق المدير :" هذا ما علموكم في كتب التاريخ، لكن الحقيقة أن هذه الشعوب كانت قاصرة، وعاجزة، و ينقصها الأهلية، وكذلك أهل المخيم، هم أعجز من أن يقرروا ما هو لصالحهم،...

لم تسمح الآنسة لمديرها بأن يكمل ليس فقط إهانة المخيم بمن فيه، إنما أيضا بث سمه، وحقده، وعنصريته، تجاه شعوب بأكملها، إنه لا يتميزعن منذر إلا بالشكل، والسلوك، أما المضمون والخلق فهو واحد، أرادت رد الصاع صاعين فردت بهدوء وبرود شديدين، ترافقا مع نظرة متحدية ساخرة:" تعني أن منذر في مكانة الدولة المنتدبة التي ترتدي لباس الإنسانية لتسطوعلى الشعوب".

وجه Shrewd تجمد، وشحب، وقست تعابيره، لكنه لم يأذن لهذا التحدي أن يتصاعد ليتحول إلى مواجهة، فكأنه أدرك أن في داخلها رغبة بالثورة، فأخمد مونولوجها الداخلي، والنفسي قبل أن يتطور، وعاجلها بضربات قاضية متلاحقة، أطفأت كل نيرانها، وشلت قدرتها على التفكير، وقضت على أية رغبة حتى بالاعتراض، وتحولت الى مجرد متلق لرسائل متتالية.

المدير تجاهل تعليقها، وراح يتحدث بإستفاضة عن مصلحة خمسين موظفا- هي من بينهم طبعا- يعملون في الجمعية، وعن إمكانية صرفهم من العمل، وقطع رزقهم بسبب توقف الدول المانحة عن دعم الجمعية ماديا، اذا فشل الموظفون أمثالها بتنفيذ المشاريع المكلفين بها في المخيمات، والتي يسيطر على كل منها شاويش، بحجة أن هذا الشاويش الذي يقيمون على أرضه بدون مقابل، وينظم أمورهم، هو شخص فاسد، وإذا كان الأمركذلك، لماذا لا يشتكون؟ أو على الأقل يغادرون المخيم، طالما اختاروا البقاء فهم راضون، لا بل متواطئون مع الشاويش، ثم أضاف منهيا حديثه:" إن هذا الشاويش الذي تريدين مقاضاته سيدتي يحمي مجتمعك من بعض هؤلاء الذين قد يتحولون إلى مشردين في طرقات بلادك أو منحرفين، انظري ماذا فعلوا ببلادنا بعدما فتحنا لهم الأبواب، وأشفقنا عليهم من الحرب الدائرة في بلادهم، وإذا كل هذه الأسباب لم تقنعك، فكري فقط براتبك الكبير الذي تتقاضينه، وبتعليم ابنتك ومستقبلها، انتهى.. تفضلي إلى مكتبك".

إنها المرة الأولى منذ أن تعرفت على مديرها تشعر بالخوف والرعب، الآن أدركت خوف أحلام من الشاويش لأنها تعيش التجربة، هاهي برفقة شاويش آخر، لكنها ليست أحلام، تلك السيدة المسلوبة الإرادة في المخيم!

جلست على كرسي مكتبها منهارة القوى، مصدومة مما سمعت من مديرها الذي كشف عن وجهه الحقيقي! كيف لم تلكمه؟ لماذا سكتت؟ لماذا لم تقل أن مصائبنا أنتم سببها؟ مؤامراتكم المستمرة على شعوبنا هي السبب؟ أطماعكم هي السبب؟ أم أنه على حق ونحن شعوب عاجزة! لا نملك الأهلية! أين ما تختزنه من ثقافة لتقارعه الحجة بالحجة، لتثبت له خطأ ادعاءاته؟! أم أنها في قرارة نفسها مقتنعة بوجهة نظره! وتشعر بالدونية! وتعاني من عقدة تفوقهم! أليس لهذا السبب تريد أن ترسل وحيدتها للتعلم ببلادهم، كي تفاخر بأن ابنتها لم تعد تنتمي لهذا المجتمع المتخلف بكل ما فيه!

تذكرت أنها على موعد مع أهل المخيم، ركبت سيارتها متوجهة نحوه، إعتادت الطريق، لم تعد تشعر بالوحشة، لم تعد ترى مكبات النفايات، والكلاب الشاردة، كل ما كانت تراه هو احتفالية ابنتها بورقة قبولها في الجامعة التي اختارتها، ما زالت ضحكاتها ترن في أذنيها، شعرت بخدر يسري في جسمها، وبدموعها تنساب على خديها.

ما أن وصلت طالعها وجه (منذر)، بابتسامته العريضة، ملوحا بيده.

غريب، وجه منذر لم يعد بالقباحة التي كانت تعتقدها، حتى أنه استبدل الجاكيت الرمادية، بأخرى تبدو أنيقة، ومن بعيد لاح لها وجه مريم الصامت، والتي كانت تمسك بيد أحد أولاد مروة بوجهه الشاحب، وعظام وجنتيه الناتئتين، وصوت غناء النسوة يتردد في المخيم...

يا قضامة مغبرة...

ويا قضامة ناعمة..

جوزي لما غبرها

كنت انا ناييمة...

شوف عيني شوف

شوف روحي شوف..

شوف حركاتي الناعمة

جبلي الحمرة بالورقة

قلتلو شفايفي ما بتلقا

قاللي تعي يا رشقة

وحمرني وانا نايمة

شوف عيني شوف

شوف روحي شوف

شوف حركاتي الناعمة

جبلي البودرة بالورقة

قلتلو خدودي ما بتلقا

قاللي تعي يا رشقة

وبودرني وانا نايمة

شوف عيني شوف

شوف روحي شوف

شوف حركاتي الناعمة

جبلي الشلحة بالورقة

قلتلو جسمي ما بيلقا

وقاللي تعي يا رشقة

ولبسني وانا نايمة

شوف عيني شوف

شوف روحي شوف

شوف حركاتي الناعمة....
شــارك
التعليقات

0 التعليقات :

إرسال تعليق