الليلة الثانية : من ألف ليلة وليلة

لميس فايد
على القاريء الكريم أن يعود للمقال الأول في ليلة من ألف ليلة المنشور على موقع مصر المدنية بتاريخ 12-12-2017ليتابع الحلقات. 
بعد ان تسللت "بهية" الحكًائة من أبواب القصر الخلفية، هاربة من أوامر القتل والقمع والتنكيل التي أصدرها طُفيل شاهبندر التجار وأكبرهم سنا، الذي سقطت المملكة "بالتراضي" بين كبارها في حجره. أتجهت للسوق، هناك أرادت أن تسمع رأي العامة فيما يجري، فلم تكتفي بما قصته عليها "ست أبوها" الصبية. كانت "بهية" تحب البخور وعالمة جيدة بأنواعه وبلاده، لذلك عزمت التوجه لميمون العطار. وهناك وجدت أصحاب الدكاكين يدخنون الحشيش والأفيون والشيشة وغيرها من الأشياء التي تصبرهم على احتمال ما حدث من زلزال في الأيام الأخيرة.. ألقت عليهم السلام، فأجابها محمدود "الدبّاغ"صاحب المصبغة: " أنت فين يا ست بهية من ساعة اللي حصل؟ شوفتي ياست بهية، طُفيل! طُفيل المعفن أبورجلين الشق فيها زي شق البحر هو اللي يحكم المملكة؟! 
ردّ عليه جميل تاجر المواشي والبغال: "بس متقولش معفن مشفتوش يوم السبت وهو مستحمي ومنور ومعاه هارون بن المؤذية، وأنت يا دباغ مش ناوي تفوت على الحمام وتحن على بدنك يا اخويا بشوية ميه من الدباغة قبل ما تتريق على طُفيل المعفن!". ضجّ الجميع بالضحك، وغضب محمود تاركاً المقهى. ليدلي سلامة الفقي وقاريء القرآن في المآتم والجنازات: " والله الساعة حتقوم، هي القيامة حتقوم ياجدعان، طُفيل! دي من علامات الساعة أي والله"! 
كانت فتحية الداية، التي ولدت كل نساء المملكة العالمة ببيوتها جيداً قادمة لتلقي السلام وتسمع ما يجري وضحكت ضحكة أشاعت في المكان بهجة خالصة: " ماتسيبوا طُفيل في حاله هو يعني جاي مش من آدم وحواء! سيبوه ما يمكن يكون أحن من عثمان"!، أنتفض جميل تاجر المواشي : " داهية تلعن عثمان وتلعن أيامه، شوفنا منه ايه غير الذل، دة خد نص المواشي يتاعتي في كرشه ظلم وبهتان، لما نشوف طُفيل حيعمل ايه ياجدعان صحيح"! عاد محمود الدبأغ مرة أخرى وأضاف حانقاً : طب والله دة شبه القرد!"، رمته بهية ينظرة لائمة أسكتته، وقالت بلاش أنت يا محمود! وحتى لوقرد، عارفين ياعيال حنعمل أيه؟" تطلع الجمع إليها بشغف : " ردت بهية حنرقص للقرد في مملكته لحد ما ياخد يومينه ويرحل زي ما رحل عثمان" . سكت الجمع للحظة وقاطعت الصمت فتحية وقالت والنبي لانهتف له كمان، حيجرى أيه يعني!؟ أستحسن الجمع فكرة الصبر على طفيل إلى أن تكشف الأيام القادمة ماذا يخبأ لنا طُفيل في سريرته. قامت "بهية"ولملمت متاعها وألقت السلام على الجمع متجهاً إلى دكان ميمون العطار، الذي حياها بتحية مقتضبة على إستحياء، مما أثار إندهاش بهية، وفهمت أن الأمر بسبب علم الجميع بالساعات التي يقضيها ميمون مع طُفيل! لم تهتم كثيراً بالأمر واشترت ما تريد وفي طريق العودة رأت جمال طُفيل تحمل صناديقاً متجهة إلى القصر، وهناك لما حطت الرحال ودخلت معهم عرفت أن "طُفيل" قد كان كعادته دائم التردد على "الكتب خان" والكتبجية. ,ان الصناديق ما هي إلا كتب اشترها طُفيل اليوم. 
ادخلتها الطباخة "آمنة" إلى القصر وكانت على غير ما يرام، دخلت ورائها مسرعة إلى غرفتها وأغلقت الباب وسألتها " أنت ياستي كنت فين، دة سيدي سأل عليك كتير، شوفتي يا ستي اللي جرى لنا؟" قلقت بهية من ما سمعت : " مالك يا آمنة أنطقي يا ولية؟" سيدي طُفيل قلب حال القصر ياستي يوم السبت، قال أيه لازم كل الخدم والقصر كله يطبخ فطار وغدا وعشا ليوم السبت من فجر الجمعة، ولما يحل مغرب الجمعة نطفي القناديل ونسيب الشمع والع! شوفتي يا ستي ونقعد نبص لبعض في الظلمة! مش دي شغلة مجانين يا ستي، حد يقعد في الظلمة كل دة ومنقدش القناديل بالليل. ونطبخ كل دة، الخدم يا ستي من الفجر في المطبخ، ونقول واحنا مالنا، يقول دة في مصلحتكم، شوفتي قلبان الحال من بعد عثمان!" ضحكت "بهية" كثيراً مما سمعت، وخصوصا ما تخيلت الكل في القصر من عبيد وجواري جالسين على ضوء الشموع ومنهم من يقع ومنهم من لا يرى طريقه. لكن إن كان كل الأمور تقتصر على السبت، لكان الأمر هين. ردت آمنة متقطعة الأنفاس: " ستي الجديدة يا ستي، ست صفورة حلت بالقصروشايفين الويل منها ياستي، وإلا ست أبوها واللي حصل لها، أشاحت آمنة دامعة العينين لما أتى ذكر"ست أبوها". أنتظرت "بهية" متأملة "آمنة" أن تكمل، فأردفت آمنة: " أنت عارفة يا ستي دي "ست أبوها" علية صغيرة وطايشة وهبلة في الكلام، كانت في المطبخ بتطبخ وتعرضت لسيدي بكلام لا يليق فسمعتها ستي صفورة، وكلمة من دي والعيلة دي ردت عليها راحت ستي "صفورة" كبت الحلة المغلية على رجلين البت ست أبوها.." أنقبض قلب "بهية" وأسود وجهها كثيرا مما سمعت وألم بالغلبانة "ست أبوها" وأنقبض قلبها بشكل خاص من ذكر"صفورة"، ونظرت شاردة من المشربية وقد تيقن لها أن أيامها في القصر صارت معدودة.. وعليها تدبير حيلة للهرب. "ياستي ياستي سامعاني ياستي، أنت بتفوتينا فين ياستي خليك في حجرنا" ردها صوت آمنة لإستيعاب ماحدث وأجابت " أهدي يا آمنة، عل الله يحدث أمراً أذهبي وأنا حطل على ست أبوها بعدين". خرجت آمنة من غرفة "بهية" تاركتها غارقة في غم وأفكار سوداء، على بهية أن تتدبر مكان للسترة في الأيام القادمة، ولحظة تذكرت كتب طُفيل التي وضعها الخدم في قاعة "الصحبة خانه"، ياترى ما في هذه الكتب؟، تسللت "بهية" إلى "الصحبة خانة" حتى تطلع على ما سُطِر في هذه الكتب وبأي قلم ياترى، فتحت بهية الصندوق الأول لتخرج أول كتاب وفتحته وكانت مذهولة ! ثم ذهبت للصندوق الثاني وأخرجت منه كتابين ودُهِشت أكثر من المرة الأولى وتكرر الأمر مع الصندوق الثالث والرابع والخامس! ماهذا كل الكتب صفحاتها بيضاء كالصبية البكر لم تمس بسوء، ما من خط في كل الكتب، هل هذه مزحة؟ هل دفع طًفيل مالاً في أوراق بيضاء كالثلج؟ هل ضحك عليه كارم صاحب الدكان؟ هل كان يعلم أن أحداً سيفتش في كتبه؟ وفي أركان أحد الصناديق وجدت صندوقاً صغيراً مرصَع بالأحجار ومغلق بمفتاح، سقط قلبها لرؤيته لسبب لاتعلمه، تناولت الصندوق بعناية وبدا فخيماً ومغرياً بالفتح، "بسم الله الفتاح" همست بهية وعالجت المفتاح في قفل الصندوق المتروك كان بجانبه وانفتح الصندوق الذي كان يحوي كتاباً هو الآخر صغيراً، أزالت جلد الماعز الذي كان يغلفه وهتفت لما فتحت الورقة الأولى " آمنت بالله" ما هذا! "مصحف"! 


شــارك
التعليقات

0 التعليقات :

إرسال تعليق