الوضوء بالدم

لميس فايد
” ركعتان في العشق لا يصح وضوئهما إلا بالدم”..كانت تلك إجابة منصور الحلاج العاشق الصوفي الكبير الذي أعدمه قضاة بغداد في 309 هجرية كما صورتها رائعة صلاح عبد الصبور مأساة الحلاج، لما بدأ إعدامه بألف جلدة.. ثم تقطيع يديه ورجليه.. قبل أن تقطع رقبته.. ولما بدأ الدم يسيل منه أخذ يمسح على وجه ويديه كالوضوء، فسأله الحشد ماذا تفعل ياحلاج؟ فاجابهم ” ركعتان في العشق..لا يصح وضوئهما إلا بالدم” كان ما يقصده الحلاج هو حال الفناء في الله وهو أعلى درجات الحب الإلهي أن يفني الحبيب في حال الوجد الصوفي في محبوبه الكبير، أي الفناء في الله حتى يصبح المحب والمحبوب 
واحداً ” أنا من اهوى ومن أهوى أنا.. نحن روحان حللنا بدناً”. قتلوا الحلاج وصلبوه وقطعوا أوصاله لأنه كان “خطر على الدولة”..أم “خطر على الإسلام”؟ تعددت المبررات ورحلت الدولة وبقى الحلاج خالداً على مر العصور بطواسينه وملحمة الحب الإلهي التي سطرها بدمه.
هذه هي الصوفية التي أهدر دمها في مسجد الروضة، هل اختلف الحال منذ أيام الحلاج حتى أيامنا؟ كان بالأمس القاضي المقتدر واليوم صارهذا المقتدر قادرا بأسلحة وأبواقاً. هناك حيث وقف أهل الطريق أمام الله، الشيخ والمريد واخوة الطريق الكبير والصغيرغير عابئين بالتهديدات متمسكين بالطريق، فمن مات على الطريق نال الشهادة.
هل يصح الوضوء بالدم؟ يصح الوضوء بالدم مع حال الصوفية بلا شك، ولكن ماذا عن من يتوضأ بدم غيره؟
يكثر الحديث مع كل عمل من أعمال تشبه عمل القاضي “المقتدر” والتي يطلق عليها اليوم “الإرهاب الإسلامي” أو “الإسلام المتطرف” عن أزمة الخطاب الديني وأنهم “ليسوا من الإسلام في شيء” وكثير من هذا القبيل، وهي عبارات تنم في مجملها على “رفض نفسي” لتصور أن كم هذه البشاعة تصدر من الدين، تماما كالرفض النفسي لصدمة من فقد عزيز لديه. ولا يصح الإفاقة من تلك الغفلة إلا بقبول الحقائق، ومراجعة ما كان مع الحلاج، ومع شيخ الإشراق “السهروردي” وغيرهم من الصوفية ممن ثاروا على العمائم التقليدية التي ترسخّت سلطتها بالتوافق مع أهل الحكم ولما رفضت فئة منهم اقتسام الكعكة معهم، خرجوا عليها بنفس السلاح الذي خرجوا به على الصوفية من قبل وهو “سلاح التكفير وإهدار الدم”.

لم يقدر أصحاب الشأن من أهل الحكم وعمائم الدين خطورة فكرة الإسلام السياسي من بدايتها ربما عن غفلة وربما عن تواطؤ وربما عن “إفتتان” بما يقال عن ” أستاذية العالم” و”ما الحكم إلالله” وغيرها من عبارات ملغمة. وأنه له استمر الوضع على هذا الحال سيصبح “الإسلام” نفسه في مصاف الفكر النازي المرعب، الذي كان يحلم هو الآخر “بسيادة العالم” والبقاء للعرق النقي، تماما كالإيمان بالإسلام “النقي” الذي لا تشوبه شائبة من تصوف وتشيع ولا فلسفة ولا اختلاط باي حضارة أو ثقافة مغايرة، إسلام لايحتفي بميلاد “نبيه ” أو “مؤسسه”، ولا أبالغ أن اختيار التوقيت لتنفيذ مثل هذه المجزرة بالتزامن مع احتفالات مولد النبي روح الوجود محمد صلى الله عليه وسلم، هو توقيت يحمل أكثر من معنى.. طالما تسألت كيف ترى السلفية “المزعومة” شخصية النبي محمد؟ بعد تتبع عن قرب وقراءة أدبيات السلفية لن ترى إلا بعدين “متصورين” في مخيال السلفية عنه، البعد الحربي كقائد حرب، والبعد الجنسي الذي يركز على الحياة الخاصة للنبي وزوجاته. إذن هو محارب وناكح أو بمعنى أخر النزعة المادية التي تنبذ البعد الآخر والأكبر له وهو بعد النبوة والوحي وبعد أهم وهو بعد التصوف، ونسوا أن الإسلام نفسه ما بدأ إلا برياضة محمد الروحية التي كان يمارسها وحده في مغارته كنوع من الخلوة. إلا أن هناك بعد آخر لا يجب اغفاله عن معتنقي السلفية بتنوعاتها التي انجبتها فيما بعد كالسلفية الجهادية وهو البعد النفسي لتلك المجموعة الذي أشارت اليه دراسة المانية أجراها دارسي الإسلام في الجامعات الألمانية ونشرت في مقال على جريدة
Die Welt: Warum der Salafismus vor allem Kriminelle anzieht? [1]
“لماذا تجذب السلفية من لهم تاريخ إجرامي بشكل خاص؟” وهو تقرير مفصل عن وضع السلفية في المانيا حاولوا فيه فهم تلك الظاهرة، التي تتسع في المانيا ومنهم من سافروا بالفعل للجهاد في سوريا ومنهم من قتلوا ومنهم من عادوا للألمانيا ويتابعهم الأمن. إذن هي النفس الحيوانية التي وجدت ملاذها في الفكر السلفي في مزيج شرير، تصاعد في سياق وملامح تشبه مجرمي النازية إلى حد كبير. لذلك كان هناك توافقا منذ بالبداية بين الإسلام السياسي الوليد وبين النازية في الفكر والإستخبارات وحتى بين بعض المستشرقين كما اوضح الكتاب المثير
“مسجد في المانيا: النازية والإستخبارات ونشأة الإسلام السياسي في الغرب” [2]
هم طرفان جمعتهما ملامح واحدة ليس أولها كراهية اليهود إلى حد الإبادة، ولكنها تكشفت الآن بالأخص مع ظهور السلفية الجهادية وتفرعتها من القاعدة وداعش في طريقة القتل وتقديم قرابين بشرية لألهة غير مفهوم هويته. وهنا تكمن خطورة الإسلام السياسي الذي يريد أن يحكم بلاده ومن ثم غزو العالم بأي وسيلة تما ما كما فعلت النازية، في الثورة على المسيحية وقيم المسيحية نفسها أولاً لتحقيق غرضها. إذن هي الثورة على الله ذاته وقيمه من داخل المنظومة الدينية، ولعل أفضل من عبر عن هذا الإرتباط المثير هو اللاهوتي اليهودي الأمريكي ريتشارد روبنشتاين في كتابهالمثير للجدل “لاهوت ما بعد أوشتفتز “المحرقة” [3]
حيث كشف عن تلك العلاقة الشيطانية قائلا” من المستحيل إغفال الأصول الدينية بالرغم من تسمية النازيين أنفسهم بالوثنيين، إلاأنهم لم يكونوا أبداً وثنيين عباقرة كقدماء الإغريق، بل كانوا معارضين للمسيحية بشكل شيطاني..رافضون للثوابت المسيحية ومرحبين لكل محرمتها. هناك تشابه عجيب بين النازي العنيد والكاهن الذي أقام قداساً أسودا في أعمال سحرية من العصور الوسطى، لم يكن الكاهن الشيطاني أبداً ملحداً أو ووثنياً. ولكن مشكلته أنه قد آمن أكثر من اللازم.. احتفل بالقداس الأسود ليس لنقصان في إيمانه ولكن لأنه كره الله وأراد أن يقلب المعايير الدينية الطبيعية. لو كان كافرا بالفعل لما كان اعتمد كلياً على الدين ليحدد ملامح ثورته..بل لعله وجد طرقا أفضل وبنائة أكثر بكل الطرق ليحتل زمنه..قد تعاملت النازية مع المسيحية بجدية بالغة لتخلق شراً جديداً”
إلى هنا ينتهي كلام روبنشتاين ولا أرى أنه من المبالغة أن يحل الإسلام السياسي محل النازية بكل تنوعاته من فكر إخواني حتى تنظيم بيت المقدس وداعش تحديدا التي أعلنت في غير مرة أنها تريد أن تصحح القرآن نفسه.. والمنظومة بأكملها لملة إبراهيم بكل تجلياتها من يهودية ومسيحية إنتهاء بالإسلام. أبعد هذا كله يكون للعمائم الحمراء أن تردد العبارة الجوفاء “ليس من الإسلام في شيء” !
شــارك
التعليقات

0 التعليقات :

إرسال تعليق