تزوير النخبة في عصر المشير

بقلم: وليد الغمري
نعم يا سيادة المشير أنت لست محملا بفواتير لأحد، ولكن هؤلاء الشباب الذين سحقتهم المدرعات على كوبري قصر النيل يوم 27 يناير 2011 فى ليلة جمعة الغضب، كانوا محملين بعشرات الفواتير للجهل والفقر والبطالة، وسحق هامتهم أسفل أحلام تآكلت فى عقود القهر وفساد السلطة والسلطان… نعم نعلم يا سيادة المشير انك لست محملا بتلك الفواتير…. ربما لم يعرف أبنائك او أبناء قادة الجيش أو حتى أبناء حمدين صباحى تلك الفواتير الباهظة التى دفعناها، ولازالت تدفعنا قهرا لأن نبتغى الموت سبيلا من أجل مرادفات إنسانية عظيمة، سحقتنا فى شوارع يأكلها الجوع، هى العدل والحرية … من أجل تلك الفواتير التى سمعتم عنها وهى تنهش أجسادنا وأحلامنا الجائعة لسنوات طويلة، من أجل ذلك الفقر المتمدد فى حواري مصر، وذلك العفن الادارى والسياسي الذى استباح كل شئ فينا … من أجل كل الأحلام التى تكسرت على أعتاب صراع البيادة واللحية… دعنى أحدثك بمنتهى الصراحة، عن هؤلاء الذين تهوى صناعتهم على مقياس الصراع لا على مقياس الوطن … عن تزوير النخبة الذى تصنع ألان فى الغرف المغلقة … وفى أكاديميات الجيش العسكرية، عن طوابير المسبحين بالحمد العسكري فى التجمع الخامس، عن تزوير النخبة فى بداية عصر المشير أتحدث ..
رغم أنى لن أنكر تهمة الانتماء الى معسكر “السيساوية” الا إن عشرات الإحداث الرمادية التى تحدث من حولي تدفعنى بمنتهى الجبروت لان اصرخ، بان شئ ما اسود، يتم الان صناعته فى الغرف المغلقة، وبمنتهى الوضوح والصراحة، اقصد تلك الغرف التى تنتمي الى مباني الأجهزة السيادية وأجهزة المعلومات فى مصر، لأنهم ببساطة يتدخلون فى صناعة شئ ليس من حقهم صناعته، الا وهو النخبة الجديدة لنظام وعصر المشير، ورغم علمى بأن النخب فى كل أرجاء الكون يتم صناعتها دوما على مقاس الحكام، تحت دعاوى إنهم أكثر وطنية من الجميع، إلا ان آفة مجتمعنا منذ عصور إن عقوله الحقيقية وشرفاء أبنائه ومخلصيه ظلوا طوال الوقت، الجسد المستباح لكل نظام سياسى، ركب مقعد السلطة فى هذا الوطن.
وهكذا غاب العدل الاجتماعي وظلت لسنوات نيران الظلم تنهش أجسادنا أسفل رماد الصمت الذى كسرناه يوم 25 يناير، ولا ولم ولن يتمكن كائن من كان، ان يخرس أصوات هذا الجيل الذى كسر كل حواجز الصمت، وان العقول التى لا أشكك فى وطنية أيا منهم فى الغرف المغلقة، هم ليسوا أكثر منا حب لهذا الوطن، بل لن أكون مبالغا ان قلت إن خارج أسوار تلك الغرف، هناك من يملك دون شك، مهارات ربما اكبر وأكثر عمقا من هؤلاء الذين يتصورون إنهم يديرون كل شئ فى حياتنا.
ببساطة لأن معظم خيارتنا السياسية بل وحتى والوظيفية كانت تتم تحت معيار واحد ووحيد، مفاده ا ن فى مصر “سادة وعبيد”، ويعلم الله إن فى هذا الوطن قد ولد جيل لن يسمح لأحد ان يستعبده مرة أخرى، ومهما كان الثمن، فقط يدفعهم ألان الخوف على مصير الوطن الى صمت الحكماء لا الى صمت الضعفاء ..!!، لعلك تفهمني جيدا ياسادة المشير ؟.
فحينما يقول المرشح الرئاسي الذى يحمل رتبة مشير، ان كل من سيحملون رايات رسمية لمصر فى عهده، لابد لهم وان يمروا أولا على كلية الدفاع الوطنى، ليتعلموا نظريات الأمن القومي لمصر، فهو بذلك يعلن صراحة رفع شعار “السادة والعبيد”، وقصور فى النظر الى عقول الأمة خارج أسواره العسكرية.
وبمنتهى الحسم والجزم اعلم يا سيدي، إن اصغر عامل أو فلاح بسيط فى حقول مصر، وبفطرته الحضارية الممتدة فى تاريخه البعيد، يعرف وبمنتهى البساطة ماذا يعنى الأمن القومي للدولة المصرية، فهؤلاء البسطاء يا سيادة المشير هم من أطاحوا بأسطورة الإخوان المسلمين فى 12شهر، حين خافوا على امن وطنهم القومي، هؤلاء أيضا هم من خرجوا بالملايين فى كل شبر على ثرى الوطن المقدس، ليستدعوا جيشهم لحماية الأمن القومي للوطن، وليس لحماية أمنهم الشخصي، لم يخرج المصريون لكى يطلبوا حماية ممتلكاتهم ، بل خرجوا ليحموا الوطن، وتعلم ويعلم الجميع .. إن المصريين قادريين على حماية أنفسهم، وليست بعض السيارات المحترقة فى مظاهرات الإخوان، هى من دفعت الأمة لاستدعاء القائد العام للجيش للتدخل، بل كان الوطن هو الداعي لأبنائه، ولو قرر المصريون حماية أمنهم الشخصي من عبث الإسلام السياسى، ما بقى على الأرض لحية واحدة مطلقة، اللهم ان حسهم الانسانى بالأمن القومي هو ما جعلهم يستدعون هيبة الدولة لا هيبة الأفراد والقبائل والعائلات لنجدة الوطن… لعلك تفهمني يا سيادة المشير؟..
باختصار شديد، فحواريو المشير الجدد من بقايا نظام مبارك، ومن حملة المباخر القدامى فى الإعلام وفى رؤوس الأموال، بل وحتى هؤلاء الذين يتم منذ ثلاثة شهور صناعتهم فى أكاديمية ناصر العسكرية، لن ينفعوك من المصريين شيئا إن لم تقم العدل فى مصر يا سيادة المشير، وان الوطنية ليست صناعة يتم إنتاجها فى الغرف المغلقة، وان شباب مصر وعقولها الحقيقية، بل وكل قلب خرج فى أيام يناير المجيدة، وهو يخفق من اجل الموت لا من اجل الحياة فى سبيل الوطن، لن يظلوا صامتين إن لم يشاهدوا “العدل” على أرضهم محققا، فقل ما شئت عن التظاهر وعن خروجهم الذى يعطل مسيرة الوطن، واستمع كيفما شئت لعباقرة الغرف المغلقة، ففى النهاية نحن من نقرر ومن نمنح ومن سيموت من أجل قيمة إذا استدعاه الوطن…
فى النهاية يا سيدي.. يشهد الله انى حتى اليوم، مازلت ادفع ثمن الوقوف فى خانة من يدافعون عن صعودك الممنهج والمصنوع منذ شهور طويلة، لا لشئ غير أنى أتفهم حقيقة ما يدور بيننا وحولنا، قبل أن أراك وأصدقك، ولكن هذا التصديق ليس مطلقا، ولن يمنحك جيل يناير شيك على بياض بثمن الوطن، فكن كما نرجوك لا كما تسمعهم يخبرونك فى الغرف المغلقة، كلنا سنكون رغم انف الجميع، على تراب مصر سواء، لا فضل لغنى على فقير ولا لبيادة على لحية إلا مصلحة الوطن، فأعدل تكن لدينا وريثا لأحلامنا، ولا تكن كمن سبقوك، فستنال حتما مصيرهم.
*صحفي وباحث سياسي
.
.
.
.
.
.
.
.
نقلا عن روزاليوسف
شــارك
التعليقات

0 التعليقات :

إرسال تعليق